التشدد والتعصب الفكري والديني للدكتور فؤاد دمشقي


عام . مقالات


التشدد أو التعصب الفكري والديني :

الأسباب

أول ما يستحضره الذهن عند ذكر لفظ التشدد أو التعصب هو ظاهرة التشدد أو التعصب الديني

وهذا لا يغير من كون التشدد ظاهرة بشرية عامة الدين أحد أدواتها .

فالتعصب لا يقتصر على الدين بل كل النشاطات الفكرية والعقائدية

وهذه الظاهرة مرتبطة كلياً بموضوع " الأنا " بتحقيق أو إثبات الأنا  ومن ثم تضخيمها .


إن تداول كل فكر هو في الأصل لتحقيق المصلحة العليا للوجود البشري

وعندما ينحرف تداول هذا الفكر ويصبح بحد ذاته وسيلة لإثبات الذات سيتحد هذا الفكر مع الأنا ويصبح العمل للدفاع عن هذا الفكر هو ذاته الدفاع عن الأنا .

وكلما عجز المرء عن كفاية الحاجة للرضا عن الذات والواقع في عوالم الإنجازات الحضارية الحقيقية كلما كان أعجز عن فك الارتباط بين الفكر والأنا .

 وفي عالم متوحش لا يقدم للأغلبية أي وسيلة مُرضية لكفاية الحاجة للرضا يصبح انخراط الفقراء والمهمشين والفاشلين والجهلة وصغار العقول لأقرب منظومة أو جماعة متاحة تقدم مقادير من الاحترام والتقدير للأنا ومن قبلها مقدار من الكفاية المادية أمر لا يمكن مقاومته

مهما كان فكر هذه المنظومة فالقضية لا تتعلق بالأفكار ولكن بالأنا .

وبهذا لدينا عالم حقيقي وهو عالم الإنجاز الحضاري نحقق فيه كفاية حاجتنا للرضا

وعوالم بديلة لصيانة الأنا من الانهيار

ومن هذه العوالم التعصب أو التشدد الفكري ومنه التشدد الديني .

وقد يصيبك الدهشة كيف لا يرى المتعصب في بعض الأحيان

قباحة التناقضات الفكرية التي يعتقد بها

ولكن لايجب لك ذلك فالمتعصب لا يرى ولا يدافع عن الفكرة أبداً .

 

أما شدة التعصب والتشدد فيحددها

1-حجم الإحباط  والشعور بالنقص ومدى عدم الرضا عن الإنجازات الحضارية الحقيقية التي يقوم بها .

2- وجود وسائل بديلة أخرى من عدمها فيزداد دفاع المتعصب شراسة وتصلباً عن منظومته كلما كان التعصب هو الوسيلة الوحيدة كبديل يؤمن الرضا.

3- عندما يصبح التعصب وسيلة وحيدة وبديلة لتحقيق بعض الكفاية للحاجة للرضا يتفرغ المتعصب للدفاع عن منظومته

وكلما ازداد تصلباً وشراسة في الدفاع عن منظومته

كلما ترقى فيها وحصل على مقادير أعلى من التقدير والاحترام

وحصل على كميات أكبر من ألفاظ المديح

وأمن لنفسه موجات أكبر من الرضا عن الذات .

ولكن يبقى الرضا المُخلق من التعصب أقل من حد الكفاية المقبول بكثير

لأنه ببساطة وسيلة بديلة.

ولما كان الشعور بالكراهية والعدائية هو النتاج الحتمي لنقص الحاجة للرضا

فإن صدرالمتعصبين دائماً مملوء بالكراهية والعدائية.

ويزيد من سعير هذه الكراهية والعدائية

استحضار المتعصب في عقله فشله في تحقيق انجازات حضارية حقيقية باعتبارها الوسيلة المثلى لتحقيق الكفاية للرضا بنظره.


إن مشاعر الكراهية والعدائية تلك لابد من وسيلة لتفريغها عندما تتاح الفرصة في وجه


1-               العوامل المسببة للفشل .

2-               من حقق إنجازات حضارية حقيقية .

3-               المخالفون بالرأي .

 

وبهذا المتعصبون غير قادرين على تقبل الرأي الآخر

فهذا أمر قد تخطوه

وتقدموا أكثر إلى ممارسة كل أشكال العدوان اللفظي والسلوكي المتاح .

كما تظهر وبسهولة ثورات الغضب والألفاظ النابية

والمسيئة عند الدفاع عن الفكر أو المنظومة.

ويمكن ملاحظة سمة أخرى هامة عند المتعصب هي

عدم تطور فكره عبر الزمن

وتطور الشعور بالمظلومية

لتبرير سلوكه الشاذ وليكون ذلك وسيلة للالتفات على هذا الشعور ومن ثم توهم التميز والتفوق على بقية البشر

من خلال دفاعه عن أرقى وأسمى المعتقدات " كما يتوهم ويقنع نفسه " .

وباختصار التعصب هو مشروع حقيقي لرفض الآخر

ومشروع قائم متى حانت الفرصة لصناعة الفوضى العارمة والعنف العشوائي.

 

" العلاج "

التعصب الفكري أو الديني هو أحد الوسائل البديلة لكفاية الحاجة للرضا وكلما تنوعت الوسائل البديلة كلما خف التعصب وتخلصنا من الآثار السيئة الناجمة عنه

وبالعكس كلما ضاقت السبل وامتنعت البدائل الأخرى كلما كان الاعتماد على التعصب الفكري أو الديني أكثر

 لذا نجد أن هذه الظاهرة موجودة بقوة في المجتمعات شديدة الانغلاق وكثيرة القيود أو المجتمعات شديدة التخلف الحضاري .

وقد تنبه الغرب لذلك فقدم بدائل عديدة  نذكر منها

1- فك القيود عن الحاجات الدنيا و السماح بالإشباع الغير مقيد لها .

لا بل وشجع على الذهاب لأقصى حد في التمتع بكل الملذات الحسية والبصرية والسمعية والذوقية –الخ .

2-  خلق مجالات تنافسية بديلة كما في الرياضة فاخترع آلاف الألعاب ومئات المسابقات حتى أصبحت الرياضة وتطويرها وتطوير أدواتها وأشكالها  وسيلة لضبط المجتمع من الانزلاق نحو التعصب الفكري والديني

3- حاول تفريغ مشاعر العدوانية عند الجماهير من خلال التشجيع على رياضات العنف والتي أصبح لها عالم خاص وكبير .



والمشكلة تبقى في أن هذه الوسائل لها آثارها المدمرة أيضاً

و تبقى بدائل ولا تحقق الكفاية المرضية للحاجة للرضا

ولم تخلص الناس من التعصب بل خففت من حدته

وخلقت مشاكل من نوع آخر .

 

أما من يريد التصدي لعلاج التعصب عليه أولاً أن يخلص نفسه من التعصب

ويحاول الفصل بين الفكر والأنا

وعندما يتحرر من سيطرة الأنا على فكره ووجوده

يصبح أكثر تقبلاً للآخرين وأفكارهم

وأكثر قدرة على مساعدتهم وأكثر رأفة ورحمة بهم وأكثر شفقة عليهم .

كما يصبح أقل شراسة وأقل عدوانية في علاج أي حدث يواجهه .

وهذا يحتاج لتأمين صيغة يمكن الوصول بها إلى الكفاية المُرضية للحاجة للرضا .


ومازالت البشرية بحاجة ماسة لاكتشاف مثل هذه الصيغة

التي يجب أن تكون سهلة المنال لكل الناس بغض النظر عن وضع وظروف كل شخص .

وحتى ذلك الوقت سيبقى المجتمع البشري يعصف به كل أشكال العنف والعدوان .

 

 النتيجة:

الظاهر أن البشرية وإلى الآن لم تبدأ حتى في أول مراحل التطور فيما يتعلق بتطوير القدرات الروحية والنفسية وفيما يتعلق بصناعة العقل والرغبة وتشكيل العاطفة .

فلم تظهر أي صيغة فكرية عالمية واضحة المعالم ومتداولة تعتني بخلاص أرواح البشر وتؤمن لهم الرضا والطمأنينة والأمل .

كما لم تظهر أي صيغ أو قوانين تحدد آلية صناعة العقل والرغبة والعاطفة .

إن ظهور مثل هذه الصيغ وعلى نطاق يشمل الأرض

هي أول علامات بداية التطور البشري الحقيقي أو خلاصه  .

هذا وإن جمال وكمال خلق الإنسان والكون يحتم وجود هذه الصيغة

والواجب علينا هو البحث عنها واكتشافها وتطبيقها .


والمثيرأن نرى مدى جمال خلق الإنسان وبنفس الوقت مدى عذاب الروح بداخله.

وإلى أي مدى هناك إفراط في العناية في هذا الجمال

وإهمال الاهتمام بتلك الأرواح المعذبة وخلاصها .

كما أني لا أفهم

لما الأرض فيها كل مقومات السعادة للجميع

و الجميع فيها حزانى أو سكارى .


ولسوء حظ البشر اليوم أنهم في عالم لم وربما لن يشهدوا فيه تطور الإنسان الحقيقي بعد .