هل الأنا الفردية والأنا الجماعية الضيقة هي شر مطلق ؟


عام . مقالات


هل  الأنا الفردية والأنا الجماعية الضيقة هي شرمطلق ؟ - للدكتور فؤاد دمشقي


مملكة النمل و مرض السرطان

كل خلية في جسدنا لها وظيفة محددة ومبرمجة مسبقاً وتقوم بها معتمدة على قانون أساس : " الخلية في سبيل الجسد كله  " وبمفهوم آخر " وأد الأنا الفردية و العمل للأنا الجماعية "
وسوف  يكون جسد الإنسان في أعلى مراتب القوة والنشاط والحيوية والصحة والجمال عندما تقوم كل خلايا الجسم  بوظائفها بكل تفان اعتماداً على هذا القانون .

وأخطر مرض يصيب الإنسان هو مرض السرطان وهو المرض الذي تتخلى فيه الخلايا عن وظيفتها وتنحرف عن القانون الطبيعي الذي خلقت عليه .
فتصبح الخلية السرطانية بلا وظيفة ولا هوية وتعمل فقط لنموها وتكاثرها الذاتي فقط من غير النظر إلى مصلحة كامل  الجسد وبقائه و يتغير بهذا مبدأ عملها من " الأنا الجماعية"  إلى " الأنا الفردية ".

أما العبرة التي يقدمها هذا المرض في اللحظة التي تنزاح فيها ثقافة ومفهوم العمل عند الخلايا من " الأنا الجماعية " إلى " الأنا الفردية " فإن الجسد كله سيمرض وسيفقد قوته ونشاطه وحيويته وجماله تدريجياً وسيتألم كثيراً وسيموت سريعاً، وجسد الإنسان هو مثال كامل عن جسد المجتمع، وهذا المثال  ليس الوحيد ففي الطبيعة خلق الله لنا أمثلة أخرى ولننظر إلى عالمي النمل والنحل.


جسد الإنسان والأنا الجماعية الكبرى

في كل عضو في جسم الإنسان تنقسم الخلايا إلى مجموعات ولكل مجموعة وظيفة ما.
جسد الإنسان السليم هو مثال عن تضحية كل مجموعة من الخلايا في سبيل تمام عمل العضو ومن ثم سلامة وصحة الجسد كله .

وبهذا لدينا مستويات متدرجة للأنا الجماعية على مستوى الجسد
1-الخلية ضمن مجموعة من الخلايا
2-مجموعة من الخلايا  ضمن مجموعات الخلايا في العضو الواحد
3-العضو ضمن مجموعة الأعضاء بالجسم الواحد
4- وفي النهاية تكامل عمل الأعضاء بالجسم  لبقائة وحياته .

وفي المجتمع البشري أيضاً لدينا مستويات متدرجة للعمل الجماعي .
1-     مستوى الأسرة
2-     مستوى المجتمع القريب
3-     مستوى الأمة .
4-     مستوى كامل المجتمع البشري .

فلا يمكن أن يبرر لدولة ما أن تقول أنها غير مهتمة للاحتباس الحراري في الكرة الأرضية والذي يهدد كل الوجود البشري على سطح الأرض .
ولا يمكن أن يبرر لدولة ما أن تقول أنها غير مهتمة بالفوضى والدمار في بلد ما  فهذه الفوضى لابد أن يأتيها أثره عاجلاً أم آجلاً .
وكذلك لا يمكن أن يبرر لدولة ما أن تقول أنها غنية وغير مهتمة بخُمس البشر الذين لا يجدون ما يسدون يه رمقهم .
فالبشر يركبون على سفينة واحدة رضوا أم أبوا وهي الكرة الأرضية .

والخلاصة إن الأنا الجماعية الضيقة  على أي مستوى كان على مستوى الأسرة أو الشركة أو الدين و حتى على مستوى بلد كامل  
وبشكل مستقل عن الأنا الجماعية الكبرى وهو مجموع البشر على الكرة الأرضية لا تختلف كثيراً في قباحتها عن الأنا الفردية على مستوى فرد واحد.

ولايمكن أن نقول ان الجنس البشري قد بدأ بالتطور إلا باللحظة التي يمتلك فيها الوعي ومن ثم العملعلى تشكيل الأنا الجماعية الكبرى في وجدان أفراد كل هذا الجنس.
 


كارثة التسونامي وبناء الجدار الأخلاقي

بقي في ذاكرتي صورة واحدة من كارثة التسونامي التي أصابت اليابان في 11/3/2011 صورة لسيدة مسنة تخرج من مركز تسوق وهي تحمل عبوة مياه واحدة وعندما سألها مراسل القناة التلفزيونية لماذا  لم تشتري أكثر من واحدة ؟
قالت ربما سيأتي من يحتاجها ولا يجدها وهذه تكفيني اليوم وغداً سآتي واشتري أخرى .

يضبط المجتمع البشري بخمس ضوابط
1-     قانون وقوة الدولة .
2-     سلطة المجتمع الاعتبارية .
3-     العقل والمصلحة .
4-     الدين والله .
5-     بناء الحاجز الأخلاقي في نفوس الناس  .

وفي حالة الأزمات والكوارث  تتبخر كل الضوابط ويبقى ضابط واحد وهو الحاجز الأخلاقي الذي بني في نفوس أبناء الأمة .
وهذا الضابط يبقى كأهم ضابط للمجتمع حتى في أيام الرخاء وحجر الأساس لبناء الإنجازات الحضارية الحقيقية وهو الذي يجب أن يكون الغاية النهائية للضوابط الأربعة الأولى .

ويبني هذا الضابط  في نفوس الناس منذ الصغر وعندما تربي الأمة أبناءها منذ ولادتهم على الصدق والأمانة وانتهاءً بأعلى مراتب الأخلاق وهي وأد الأنا الفردية والعمل للأنا الجماعية الكبرى فإن ردة فعلهم تجاه الأحداث سوف يكون تلقائياً ولن تحتاج  إلى صراع نفسي وضوابط ومرشحات لنحقق المصلحة العليا والنهائية لهم  وللمجتمع .

ولبناء هذا الجدار لابد من توفر الرغبة والمعرفة والتي تولد عادة من بطن الفوضى والألم  بعد فقد هذا الضابط من نفوس  الناس .

ويجب أن نبني هذه المنظومة في أنفسنا أولاً ففاقد الشيء لا يعطيه ثم تنقل هذه المنظومة للأجيال القادمة بالسلوك والعمل وبالتلقيم المباشر وغير المباشر في البيت والمدرسة ووسائل الإعلام  والتأثير المختلفة ----الخ .